الدين والثقافة… جدل العلاقة والمصير

0
30
الدين والثقافة

تمهيد

إذا كانت الآلهة لا تكترث بأحوال البشر كما يعتقد أبيقور، ولم تهتمَّ يومًا بهم وهي في أوج صلفها الميتافيزيقي، فلماذا نصرُّ نحن بشر ما بعد الميتافيزيقا والثورات العلمية والتكنولوجية والبيولوجية على الاهتمام بها والحديث عنها بإطناب شديد وإحياء مقولاتها الآفلة؟ أليس في ذلك ضرب من الشيزوفرانيا الإنسانية حين نعلن نحن أبناء الحداثة “التي لم يكتمل مشروعها” حسب وصف هابرماس لها عن “موت الله” وانتصار الإنسان وانبلاجه “كسيد على الطبيعة ومالكًا لها” كما حلم بها ديكارت منذ القرن السابع عشر، مقابل انسحاب الإلهي. ثمَّ نجد أنفسنا بين فكِّي عالم كلٌّ ما فيه يبعث على الخوف والقلق من تواري إنسانيَّتنا خلف غبار الفضاءات الدينية خاصَّة بعد أن ساهمت العولمة في إنتاج سوق للاستهلاك الديني، وروجت له عبر وسائل الاتصال التيكنولجية الحديثة من تلفزة وأنترنات ووسائل مكتوبة. حيث يتمُّ ترويض عقل الإنسان ومخيَّلته وحواسَّه على تقبُّل كمٍّ هائل من الصُّور والخطابات المنتحلة للذات الإلهية. وحيث تعود العين إلى عرفانيتها مصابة بداء الخشوع وهي تحدِّق في صورة رجل دين أتقن فنَّ التنكُّر في ملابس الزهد وغطى وجهه بأقنعة الآلهة يتصدَّر عالم الشاشة السحري يمارس فعل الانفعال على المؤمنين ويحثُّهم على ردِّ الفعل.

يا لها من مفارقة أن يصبح المرء مجرَّد “كائن متبضِّع” ينتقل متنزهًا من فرجة إلى أخرى ومن قناة إلى أخرى باحثًا عن اقتناء دينه المفضَّل و” فيتيشيَّته المفضَّلة” المحبَّبة إليه.

ويا لها من مفارقة ثانية حين تسعى منتجات العقل العلمية إلى التآمر على العقل الإنساني ذاته ومحو الحدود الفاصلة بين ما هو ديني ولاعقلاني وبين ما هو ثقافي وعقلاني.

إنَّ تداخل الديني بالثقافي وإمّحاء الثَّقافي في الديني هو الذي يبرِّر واقعيًا طرح المشكل التَّالي: ما علاقة الدين بالثقافة؟ هل تقوم على التنابذ والصدام بحيث حين تحضر الثقافة يتوارى الدين وحين يحضر الدين تختفي الثقافة؟ هل الدين هو كل الثقافة وهل الثقافة في جوهرها دين؟ هل الأسبقية للديني أم للثقافي؟ وهل الدين هو الأصل والثقافة هي الفرع؟ أم في البدء كانت الثقافة؟ بمعنى آخر هل أن التداخل الذي نشهده في العالم المعاصر بين الديني والثقافي والحضور الكثيف للديني في الوسائل السمعية البصرية وفي الفضاء العمومي والمجال السياسي والإسراف في الحديث عنه والثَّرثرة حوله من قبل مختلف الطبقات الاجتماعية وحتَّى الثقافية يجعلنا نقرُّ بأن الدين هو الثقافة في مجملها، أم أنَّ الدين لا يعدو أن يكون مجرَّد رمز من رموز الثقافة المتعدِّدة والمتنوِّعة؟

أليس في اختزال الثقافة إلى مجرَّد دين اغتيال للعقل والإنسان واختزال للوجود الإنساني وتحويله إلى “إنسان ذو بعد واحد” كما أعلن الفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه، ولكن “البعد الواحد للإنسان” هذه المرَّة لن يكون نتيجة عقله الأداتي والتقني وما أحدثه من اغتراب، وإنما نتيجة تفشِّي “الجهل المقدَّس” على حدِّ عبارة الفيلسوف الفرنسي المعاصر أوليفييه واغتراب الإنسان في البعد الدِّيني.

الدين والثقافة، أيَّة علاقة بينهما؟

لا بدَّ من الإشارة بداية إلى أنه لا تحديد الدين ولا تحديد الثقافة ولا حتى العلاقة بينهما يمكن اعتبارها تحصيل حاصل أو من الثوابت التي يستحيل تجاوزها، ذلك أن كلَّ جيل وكل عصر مطالب بالتحليل النقدي لهذه المعاني لإثراء ما بنته الأجيال السابقة وما راكمته واحتفظت به من دلالات، وهو ما يسمح بغزو حقول جديدة. من هنا يفترض عصرنا أيضًا طريقته في فهم وتحديد دلالات طرق فهم العالم والعيش فيه. فما يميز القرن العشرين أنه مأخوذ بالصراعات الكبرى وهيمنة الأنساق الشمولية والتحولات السياسية ومنشدٌّ للدفاع في نفس الوقت عن الكرامة الإنسانية وعلى تكريس ثقافة السلام رغم كل الحروب والنزاعات التي تشق المجتمع الواحد والعلاقات بين الدول وعلى الدفع بالتطور التكنولوجي والاقتصادي، كل هذه الاعتبارات جعلت من الحداثة وما بعدها تقدم لنا تصورًا خاصًا للثقافة والدين وللعلاقة بينهما، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية عملت ما بعد الحداثة على خلق مسار لم يكن معروفًا يتمثل في التخلص من الماضي ونسيان التاريخ الذي يعيق التقدم. فقد أصبح مفهوم التقدم مفتاح التأويل الذي يسمح بفهم العالم وادراكه كمجموعة أحداث وليس كمجموع كائنات.

هذه التغيرات فرضت التأقلم مع الظروف الجديدة حيث أصبحت الحداثة معممة وفي متناول الجميع تقريبًا فمست طرق تفكيرنا وإدراكنا للحقيقة والواقع بما في ذلك الثقافة والدين عبر تعديل طريقتنا للوصول إلى سرِّ المتعالي والمحايث للعالم. فحسب هابرماس كل هذه الأحداث تؤثر على وضع الدين في الحداثة. فهو يعدِّد عوامل التغير وذلك بتأكيده على

أنه بفضل علمنة المعرفة وتحييد عنف الدولة وحرية المعتقد الذي أصبح قيمة كونية، أجبر الدين على التخلي عن طموح امتلاك ناصية التأويل وتشكيل الحياة في مجملها[1].

فأي تعريف يمكن إسناده للدين في هذا السياق؟

أ) مفهوم الدين: يعود أصل كلمة “دين” إلى فعل دان بمعنى خضع وذل ودان بكذا الدين يتمثل بالطاعة والانقياد، ويعرف ابن المنظور الدين كما يلي

تنطوي كلمة الدين على معانٍ عديدة ومتشعِّبة حتى يبدو لك أنه يستعمل في معاني متباعدة بل متناقضة، فالدين هو الملك وهو الخدمة هو القهر هو الذل هو الإكراه هو الإحسان هو العادة والعبادة وهو السلطان وهو الخضوع هو الإسلام والتوحيد وهو اسم لكل ما يعتقد أو لكل ما يتعبد به[2].

بهذا المعنى يحمل الدين على معنى الخضوع والقهر فمن دان بدين يخضع لتعاليمه مهما بدت قسوتها أو رحمتها وينقاد لها ولا يحيد عنها.

Religion يؤخذ الدين في الثقافة الغربية بمعنى نشاطات إنسانية يهتم بها ويمارسها جميع البشر وفي كل البقاع.

وفي اللاتينية ترد هذه الكلمة مجزأة وتعني المراقبة أي مراقبة الأجرام السماوية أو الإلهامات السماوية الدينية.

ولكن إذا تفحصنا الكلمة اليونانية التي تعني أيضًا الدين فإن ترجمتها الحرفية هي الاستلهام والتكهُّن، عن طريق ممارسة الشعائر والمراقبة الدقيقة وهذه لا تعبر بصدق عن ما تحدث به المسيح بأن ملكوت السماوات لا يأتي عن طريق التكهن، ولا عن طريق الطقوس الكلاسيكية إن ملكوت السماوات يتحقق بتحرر الإنسان من الداخل من القلب من الشعور وليس بالمظاهر الخارجية[3].

والشائع في الفكر المسيحي أن كلمة “دين” تعني علاقة متينة بين النفس الانسانية والذات الإلهية المقدسة، ولكن علاقة كهذه تعد ثابتة كالطريق أو الطريقة غير خاضعة للتغيير أو التطور[4].

أما علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا فيحددون الدين على أنه مجموعة من الأفكار المجردة، والقيم أو التجارب القادمة من رحم الثقافة. على سبيل المثال، جوهر الدين لا يشير إلى الاعتقاد في “الله” أو متعال مطلق: بل يعرف جوهره بأنه “بنية أو ثقافة مباشرة أو بنية لغوية للحياة بشكل كامل، والاعتقاد بأنه، مثل لغة، يسمح بوصف الواقع، وصياغة واختبار المعتقدات والمشاعر والأحاسيس الحميمة”. وبموجب هذا التعريف، بهذا المعنى، الدين هو رؤية لا غنى عنها في العالم تحكم الأفكار الشخصية والأعمال.

ما نلاحظه أن بين التحديد الذي يحصر معنى الدين في العلاقة التي تربط الإنسان بالآلهة، سواء انبنت على القهر والإذلال أو العطف والرحمة وربط الصلة، والتحديد الأنثروبولوجي الذي يلخص الدين في مجموع القيم والعادات التي تحدد علاقة الإنسان بمجتمعه والعالم وتتعامل مع الدين ليس بوصفه حاملَ جوهر إلهي بل ثقافي، فإنه ثمة اختلاف شاسع في رسم العقل البشري لحدود التجربة الدينية ومجال عمله ووظيفته، من هنا تتعدد وجوه المقاربات للدين. فإذا كان البعض يختزل مضمونه في أبعاد غيبية ميتافيزيقية فإن البعض الآخر يعتبره شكلاً من أشكال الثقافة أو إحدى الأنظمة الرمزية التي تتيح للإنسان التواصل مع الآخر ومع العالم وتشييد تصوره الثريِّ عن الكون الذي، وهو ينتمي إليه، يطمح إلى تجاوزه. وهو ما يدفعنا إلى البحث في صلة الدين بالثقافة وطبيعة هذه الصلة أو العلاقة. فما الذي نعنيه بالثقافة وما علاقتها بالدين؟

ب) ما الثقافة؟ أو في معنى الثقافة: يعتبر مفهوم الثقافة من المفاهيم الديناميكية التي تحدد بطرق مختلفة ومتنوعة فقد تم ربط الثقافة المعاصرة بعديد التغيرات العميقة فهي منارة بفضلها يصل الإنسان إلى ما ورثه من الأجيال الماضية وهي تدعوه أيضًا إلى عملية خلق مستمرة لذاته بما يقدمه من آثار إبداعية خالدة. فقد تعبر الثقافة عن ثقافات جزئية على ضوء مجالات وتجارب مختلفة للحياة الإنسانية مثل الحديث عن ثقافة سياسية أو ثقافة اقتصادية أو ثقافة دينية. كما يمكن أن ترتبط الثقافة بمعنى ما هو مادي مرتبط بالمنتجات التقنية والعلمية كما ترتبط بما هو روحي وبتكوين العقول فهي وصفية معيارية تاريخية وراثية بنائية وحتى نفسية. وهي يمكن أن تكون ثقافة فردية أو جماعية. فالثقافة مجال ديناميكي للحياة الإنسانية فالقدرة على الإبداع متجذِّرة في الطبيعة البشرية وفي نموه الشخصي حيث لا يتوقف دور الثقافة على مجرد تحويل الطبيعة بل هي تتجاوز لمستوى خلق مجموعة علاقات بين البشر. فحين يبني الإنسان نفسه ويتواصل مع أغياره فهو يبني ثقافة في حالة من التغير والتطور والبناء، وفي الوقت الذي تكون فيه الثقافة حارسة لذاكرة الماضي فهي أيضًا منبع التقدم الذي يكون، في الوقت نفسه الذي يكون فيه متجهًا إلى المستقبل، يتحقَّق في الحاضر.

من هنا نفهم الطبيعة المركبة للثقافة التي تشمل المادي والروحي ويتقاطع المادي واللامادي والرمزي والواقعي، الإيتيقي والمعرفي، غير أن أهم ميزة تمتاز بها الثقافة المعاصرة هو سعيها لكي تكون محايثة للإنسان قريبة منه وتستوعب طموحاته وأهدافه وذلك عبر تخلصها من التعالي بمعنى الكائن المتعالي، وحتى التعالي تتعامل معه بمنطق المحايثة بمعنى الحضور الدائم في الثقافة، فهذه الثقافة التي لا تثبت أي تعال وترفض أي وحي إلهي حقيقي وأي أبدية قد تشكل في نظر البعض تهديدًا للدين وتبشيرًا بأفوله خاصَّة إذا ما صارت الثقافة المهيمنة هي ثقافة المنتجات العلمية التقنية وصار الإله الجديد إلهًا من معدن وأوراق نقدية. فما طبيعة العلاقة الحقيقية بين الثقافة والدين؟

جدل الدين والثقافة:

أولاً: الدين بما هو ثقافة:

لا شك أنه توجد بين الدين والثقافة مستويات عدة من العلاقة حيث يمثل الدين في مستوى أول ثقافة كاملة لشعب أو أمة ما أو حضارة، لا نتحدث هنا عن الدين بوصفه مجموعة من النصوص والتعاليم والشعائر والقيم فحسب بل هو بما هو كيان مجسد في طقوس اجتماعية وتقاليد وأفعال يمارسها الناس أيضًا أي من حيث صيرورته بوصفه نظامًا من الممارسات المادية قد تقوم مسافة ما بين وضعه النظري الموجودة في النصوص وبين طريقة استيعابه من قبل العامة والتعبير عنه وممارسته من طرف المؤمنين به في حقل اجتماعهم المدني، ويمكن اعتبار الدين شكلاً من أشكال الثقافة بوصفه يعبر عن رؤية للعالم والطبيعة والوجود الإنساني ومن واقع كونه يقدم تصورًا إما لبناء المجتمع حين يكون دينًا يبتغي السلام العالمي ومصلحة البشرية كما يمكن أن يلعب دورًا هدامًا حين يتحول إلى دين عنيف يستند إلى مقولات القتل الحلال. يقوم الدين على تعاليم يرسم للمنتسبين إليه تخوم الجائز والممنوع والمقدس والمدنس وترويض الوعي البشري الفردي والجمعي وإخضاعه لمبادئ يتم تحويلها إلى قواعد صارمة للفكر والسلوك وأفكار تحولت إلى يقينيات وعقائد راسخة ترفض أي شكل من النقد والتغيير وحتى التطوير في جانبها اللاهوتي حتى وإن قبلت التغير في جانبها المرتبط بالنسق الاجتماعي المدني. فالدين هنا ثقافة بوصفه نمطًا من المعرفة بالوجود الطبيعي والاجتماعي يختلف في المبادئ والأسس عن سواه من أنماط المعرفة الأخرى كالعلم والفلسفة، فله مسلماته التي لا يستقيم إلا بها وله طريقة خاصة في بناء أحكامه التي لا تفهم إلا بربطها بنمط الاستدلال فيه ثم إنه ثقافة بوصفه نمطًا مغلقًا من الطقوس والشعائر والقيم أي طريقة ثابتة في ممارسة الحياة اليومية وبناء المجتمع وإعادة بنائه، فهو يظهر كبنية عقلية وسلوكية للمجتمع بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة أي نمط من التفكير والسلوك يكتسب منطقًا ذاتيًا خاصًا يمتنع فهمه أو تحليله بمعزل عن شبكة المعاني والدلالات الخاصة به. كما يمثل الدين عاملاً من عوامل الأساسية في تعبئة ثقافة ما وشحنها بالرموز والمضامين والدلالات التي تمتلك معانيها الخاصة داخل السياق الاجتماعي الخاص بها. فهل يتيح لنا تعريف الدين بالثقافة واعتباره إحدى الأشكال الثقافية الانتقال من المتعالي إلى التدبير الإنساني للفضاءات العمومية؟

صحيح أن الإنسان “منذ أن ألحق العالم به أصبح يعاني من مهام العيش وقلق الموت مستاء من الجوع والمرض ومن الحلول الملغز لليل وسيمفونية الكواكب المذهلة ويميل بشكل اختياري إلى حالة من النرجسية لا نهاية لها” بما يوحى بأن الدين الذي كان يوظف لدرء القلق قد يصير بدوره مقلقًا. وكيف نطمئنَّ لدين متديِّنوه أعلنوا جهلهم المقدَّس حربًا على كل ما هو ثقافي وإنساني وها هو القديس جان يقول: “إذا قال أحدهم لك أنه يحبُّ الله ويكره أخيه، فلا تصدقوه فهو كاذب، لأن من يكره أخيه وهو يراه لا يمكن أن يحب الله الذي لا يراه”. فهل نحن في زمن الجهل المقدَّس والدين العاري من كل ثقافة إلا ثقافة الجهل؟

ثانيًا: الدين والعولمة والجهل المقدس:

إن الانتصاب الفوضوي للديني في واقعنا الراهن واحتلاله لكل المساحات الواقعية والافتراضية والشاشات التلفازية ينبه لحقيقة جديدة وهو كون الله لم يعد روحًا دون مادة بما أنه صار يسكن الشاشات ويتجول بين وسائل الإعلام أكثر مما يسكن السماء ويتكلم من خلف المصدح أكثر مما يتكلم من خلف حجاب وعبر الكتب والرسائل السماوية والأنبياء، ذلك الله المتحالف مع ثقافة العولمة لم يعد يرغب في الإقامة بين كتبه المقدسة ويتمثل لنا عبر وحي المرسلين، بل صار لله ودينه المعولم “إيمله الخاص” و”رسائله الإلكترونية” وإذاعته الصوتية التي تذكرنا في كل وقت بواجباتنا الدينية تجاه الله.

إلى درجة تحولت فيه التقنية من وجهة التحرير من الخوف وتبرير القهر عبر تمكين الإنسان من فهم قوانين الطبيعة الحتمية للسيطرة عليها إلى تقنية بدل أن تنتج الثقافي والعلمي إلى تقنية أصولية تعيد إنتاج ما لا يمكن فهمه وفكِّ غموضه ولا معقوله.

من هنا نستنتج أن ما أنتجه العلم والعولمة من وسائل علمية وتقنية وما وعدت به العولمة البشرية من السير بها قدمًا نحو الثقافة والعلم والتقدم العلمي وما وعدت به من تبشير بقيم الرفاهة وثقافة حقوق الإنسان وتحريرٍ له من كل القوى التي تحاول أن ترهبه وتخيفه لتقهر به الإنسان لم يتحقق. بل إن ما نراه في واقع الحال هو تحول الدين إلى سلطة مهيمنة ومتنفذة عبر سلطة المال والإعلام وكأن كل هذه التخمة و”الغزوة” الدينية المشبوهة على وسائل العلم والتقنية هدفها النيل من العلم ذاته والسخرية من منتجاته فقد ينتصب شيخ واعظ وهو يستخدم منتجات العلم التقنية وينبئ أتباعه بأن العلم كفر والفرجة حرام والفن ممنوع وأكل “الهامبرغر حرام” وامتطاء الطائرة ضلال وارتداء السراويل فجور.. وإلى غيرها من الحشو الديني التكفيري.

فإذا كان الدين في معناه الإيتومولوجي يحيل إلى “الخضوع والقهر” وإذا كان في دلالته الأنثروبولوجية يحيل إلى منظومة من الشعائر والطقوس والعبادات “التي يؤديها الإنسان خوفًا وتقربًا لإله ويقوم على جدل المقدس والمدنس والدنيوي ويوظف الترهيب والترغيب ويشعر الإنسان بالخوف والرجاء والطمع والجزاء والثواب والعقاب ويتخذه الإنسان للهروب من الجزئي إلى الكلي ومن الأرض إلى السماء ومن الموت والعدم إلى البقاء والخلود بحثًا عن الطمأنينة والخلاص، فإن أمام هذه الوظائف الجزئية والمحددة للدين التي تسعى إلى اختطاف الإنسان من واقعه والالقاء به إلى ما وراء الواقع حيث المجهول مختزلة الوجود البشري إلى وجود من أجل الله تدافع عنه بدل أن يدافع عنهم.

وحين نعرف الثقافة بأنها كل ما زاد عن الطبيعة الإنسانية الأولى ويسعى إلى تهذيبها وأنسنتها فهي لا يمكن أن تكون سوى ماهية الإنسان الذي يطمح لا فقط للبقاء عبر دفع الشرور عنه بفضل “الكونتوس” بل لضمان حسن البقاء الذي يفرضه العقل الحسابي أو “الراسيو” بالمعنى اللاتيني من محسنات ثقافية على هذا الإنسان حين يبدع القيم الأخلاقية والجمالية والسياسية وحين يبدع الآداب والفنون والمعاني، حينها يصبح مشروعه مشروع الإنسان الإله بعبارة نيتشه.

فإذا كان الدين يعيد إنتاج الشعائر ويكرس ثقافة الإتباع والقطيع ويستبدل سلطة العقل وثقافته العلمية بسلطة الماوراء والنقد بالوثوقية، فإنه لا يمكن أن نثق في ثقافة هي كل ما فيها دين ولا يمكن أن نقبل بأن يصير الدين هو كل الثقافة.

فربما سيفقد الدين مبرر وجوده كثقافة حين يحل عصر العلمنة الحقيقي، فرغم ما نبه إليه عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي المعاصر أوليفييه روا من خطورة هذا النوع من الدين الذي يريد أن يفرض ترتيبه الخاص للثقافة والهويات رغم أنه لا يمثل – هذا الدين – إلا شكلاً من “الجهل المقدس”، وهو خال من كل ثقافة سوى ثقافة الجهل. فهو قد ينظر للثقافة كعدو وتهديد لوجوده ومصيره ويعتبر أن كل ثقافة إنما هي كفر. وحتى العولمة حسب أوليفييه “بدل أن تقلص من نفوذ الأديان في العالم ساهمت في إحيائها، رغم أن الأمر لم يتم دومًا بشكل إيجابي، حيث أن بروز التطرف الأصولي أدى إلى تفشي ظاهرة “الجهل المقدس” بما هو توجه معادي للثقافة والتعددية والديمقراطية”[5].

فحين تساهم العولمة في إظهار دين منزوع الثقافة فهي لا تعمل سوى على تغذية الجانب العنيف في الدين وتوهم قدرته على منافسة العلمنة في مجالها الخاص المتعلق بالشأن السياسي من مواطنة وديمقراطية ودساتير وحقوق إنسان.

صحيح قد يبدو للبعض أن العلمنة قد أعادت الديني للواجهة لكن الأمر غير ذلك فما حصل ليس عودة الدين بل تحوُّله، وما هذا الإنعاش الديني الوهمي ومحاولاته الفاشلة في ابتلاع كل ما هو ثقافي سوى وهم لأن العلمنة قادمة وهي حتمية. أما هؤلاء المتدينون الجدد “فهم عابرون عبور السحاب يحملون بذور انهيارهم واختفاءهم في ما يحملونه من دعاوي لمأسسة الجهل وثقافة الموت والحقد الأعمى على الحياة وحيال كل ما هو عقل وتنوير وثقافة، إنهم يعيشون اغترابًا عقليًا وروحيًا وثقافيًا، طالما هم يعيشون هنا بيننا وأجسادهم وعقولهم هناك في زمن يستحيل أن يعود”.

خاتمة

خلاصة الأمر، حتى وإن ادعى الدين أحقيته في التوطين الثقافي وفي فرض نفسه كتعبيرة ثقافية وحيدة مستغلاً ما هو علمي وتقني وما أبدعته روح البشرية من منتجات علمية وما بذلته من تضحيات بروموثيوسية في سبيل تحقيق الإنسان الإله لتهديهم هذه الروح الفاوستية المنتصرة فإنه لا يمكن أن يتحول “تاناتوسهم” العصابي بلغة فرويد و”شمسهم الوهمية” بلغة ماركس إلى الثقافة الوحيدة الممكنة لحياتنا لأن لنا “ديونزوسنا” “الذي يحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا” كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش. بقي علينا إذن أن نضيء كما قال فيورباخ “المناطق المظلمة في الدين بمصابيح العلم حتى لا يستخدم في عبودية وقهر البشر”. إنَّ دينًا لا يحمل من هدف سوى التطبيع مع الموت لا مستقبل له ومآله الزوال.

فهل لنا بفيورباخ جديد حتى لا يتحول الدين إلى ثقافة وحيدة يتيمة لنا وحتى لا تصبح الثقافة مجرَّد دين مهترئ

منقول

شارك

طرق رد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا